محمد بن جرير الطبري

88

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن زيد ، في قوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا قال : كان أبي زيد يقول : فضله : القرآن ، ورحمته : الإِسلام . واختلفت القراء في قراءة قوله : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فقرأ ذلك عامة قراء الأَمصار : فَلْيَفْرَحُوا بالياء ، هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ بالياء أيضا على التأويل الذي تأولناه من أنه خبر عن أهل الشرك بالله . يقول : فبالإِسلام والقرآن الذي دعاهم إليه فليفرح هؤلاء المشركون ، لا بالمال الذي يجمعون ، فإن الإِسلام والقرآن خير من المال الذي يجمعون . وكذلك : حدثت عن عبد الوهاب بن عطاء ، عن هارون ، عن أبي التياح : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ يعني الكفار . وروي عن أبي بن كعب في ذلك ما : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن أسلم المنقري ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : " فبذلك فليفرحوا هو خير مما تجمعون " بالتاء . حدثني المثني ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم عن الأَجلح ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي بن كعب مثل ذلك . وكذلك كان الحسن البصري يقول ؛ غير أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ قوله : هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ بالياء ؛ الأَول على وجه الخطاب ، والثاني على وجه الخبر عن غائب . وكان أبو جعفر القارئ فيما ذكر عنه يقرأ ذلك نحو قراءة أبي بالتاء جميعا قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأَمصار من قراءة الحرفين جميعا بالياء : فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ لمعنيين : أحدهما : إجماع الحجة من القراء عليه ، والثاني : صحته في العربية . وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء ، وإنما تأمره فتقول افعل ، ولا تفعل . وبعد : فإني لا أعلم أحدا من أهل العربية إلا وهو يستردئ أمر المخاطب باللام ، ويرى أنها لغة مرغوب عنها غير الفراء ، فإنه كان يزعم أن اللام في ذي التاء الذي خلق له واجهت به أم لم تواجه ، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجه لكثرة الأَمر خاصة في كلامهم ، كما حذفوا التاء من الفعل . قال : وأنت تعلم أن الجازم والناصب لا يقعان إلا على الفعل الذي أوله الياء والتاء والنون والأَلف ، فلما حذفت التاء ذهبت اللام وأحدثت الأَلف في قولك : اضرب وافرح ، لأَن الفاء ساكنة ، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكن ، فأدخلوا ألفا خفيفة يقع بها الابتداء ، كما قال : ادَّارَكُوا و اثَّاقَلْتُمْ وهذا الذي اعتل به الفراء عليه لا له ؛ وذلك أن العرب إن كانت قد حذفت اللام في المواجه وتركتها ، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يدخل فيها ما ليس منه ما دام متكلما بلغتها ، فإن فعل ذلك كان خارجا عن لغتها ، وكلام الله الذي أنزله على محمد بلسانها ، فليس لأَحد أن يتلوه إلا بالأَفصح من كلامها ، وإن كان معروفا بعض ذلك من لغة بعضها ، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حي ولا قبيلة منها ؟ وإنما هو دعوى لا ثبت بها ولا حجة . القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين : أَ رَأَيْتُمْ أيها الناس ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ يقول : ما خلق الله لكم من الرزق فخولكموه ، وذلك ما تتغذون به من الأَطعمة ؛ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا يقول : فحللتم بعض ذلك لأَنفسكم ، وحرمتم بعضه عليها ؛ وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرمونه من حروثهم التي كانوا يجعلونها لأَوثانهم ، كما وصفهم الله به فقال : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا ومن الأَنعام ما كانوا يحرمونه بالتبحير والتسييب ونحو ذلك ، مما قدمناه فيما مضى من كتابنا